الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

321

نفحات القرآن

يقول الراغب في مفرداته ) وقد فسر كثير من المفسرين الاسترهاب بالارهاب أي ايجاد الخوف والاضطراب ، والتعبير هذا يكشف بوضوح عن استعانتهم بوسائل الاعلام والتلقين إضافة إلى سحر ( وغالباً ما يستعين السحرة بهذين الأمرين ، بل القسم الأعظم من موفقيتهم يرجع اليهما وإلى حسن القيام بهما ) . وقد نقل أنّ مساحة المحل الذي عُدَّ لهذا الأمر كان ميلًا في ميل « 1 » ، كما نقل أيضاً أنّهم أعدوا جبلًا من الحبال والعصي التي تبدو وكأنّها أفاعي تسعى « 2 » . ثم خاطب السحرة الناس بأقاويل مثل : أيها الناس ابتعدوا عن الساحة لكي لا تمسكم الأفاعي بضرر لأنّها خطرة ومخيفة ! وأمثال هذه التعابير التي أُشير إليها في بعض التفاسير « 3 » ، وقد تأثر بهم الناس كثيراً لأنّهم سحروا أعينهم وقلوبهم ، وبهذا ألقوا بحجبهم على حواس الناس وعلى عقولهم للحيلولة دون إدراك الحقائق والواقعيات . ج‌ج لقد كشفت الآية الرابعة عن احدى المؤامرات الاعلامية التي حاكها اليهود ضد الإسلام ، والتي كان هدفها تضعيف عقيدة المسلمين بالإسلام ، وقصتها : أنّ فريقاً منهم أسلموا وآمنوا ظاهراً في النهار وارتدوا عن الإسلام في الليل ، وعندما سئلوا عن سبب رجوعهم عن الإسلام قالوا : إنا لاحظنا صفات محمد صلى الله عليه وآله من قريب فوجدناها لا تتطابق مع كتبنا الدينية وأحاديث علمائنا فرجعنا عنه . إنّ هذه الحملة الاعلامية سببت في ارتداد قوم من المسلمين عن الإسلام ، إذ قالوا : إذا ارتدّ عن الإسلام أهل الكتاب الذين هم أفهم منّا ويعرفون القراءة والكتابة ، فلابدَّ وأنّ الدين باطل ولا أسس قوية له ، وبهذا استطاعوا أن يشوشوا على أفكار البسطاء من الناس

--> ( 1 ) . تفسير روح المعاني ، ج 9 ، ص 22 . ( 2 ) . تفسير المنار ، وقد نقل هذا الحديث عن مفسر باسم ابن إسحاق ، ج 9 ، ص 66 . ( 3 ) . التفسير الكبير ، ج 14 ، ص 203 .